السبت، 13 ديسمبر 2014

الرقابة المالية في القطاع الحكومي


الرقابة المالية في القطاع الحكومي

الخلفية العلمية – المشكلات  الحلول


مقدمة:
تحتل 
الرقابة المالية أهمية كبيرة في العملية الإدارية وتعد من أهم ركائز هذه العملية، ولا بد من تنظيم عملية الرقابة بشكل يجعل منها أداة فاعلة في تطوير وتوجيه النشاط الإداري بكياناته المختلفة. ومن المعلوم أن الأجهزة الحكومية تهدف من وراء إنشائها. إلى تقديم الخدمات للمواطنين... ويأتي دور الأجهزة الرقابية لضمان تقديم هذه الخدمات بأسرع وقت وبأقل جهد وتكلفة ممكنة وبالشكل المطلوب قانوناً... وقد تم اختيار الرقابة المالية في القطاع الحكومي مستهدفة بالبحث من قبل الكاتب نظراً لأهميتها النابعة من كونها السند الأساسي في فاعلية أداء القطاع الحكومي بكياناته المختلفة.
يتناول الكاتب في هذا المجال موضوع 
الرقابة المالية في القطاع الحكومي من خلال الارتكاز على ثلاثة محاور أساسية وهي:
الخلفية العلمية للرقابة 
المالية في القطاع الحكومي، والتي يهدف من ورائها إلى تقديم إطار علمي تثقيفي مبسط لجمهور القراء، ثم تلخيص المشكلات التي تجابه أجهزة الرقابة المالية في القطاع الحكومي بناء على الخلفية العلمية للرقابة المالية ودراسة واقع الحال المعاش الحال المعاش بالدولة. وأخيراً تقديم توصيات بالحلول بناءً على المشكلات المستخلصة.

أولاً: الخلفية العلمية:
ماهية 
الرقابة المالية:
يقصد بالرقابة 
المالية مجموعة العمليات اللازمة لمتابعة أعمال تنفيذ الخطط والسياسات الموضوعة بقصد التعرف على الانحرافات ومعالجتها في الوقت المناسب، إضافة إلى المحافظة على المال العام من عمليات الاختلاس أو الضياع أو سوء الاستعمال.
أهمية 
الرقابة المالية:
تعد 
الرقابة المالية من العناصر الأساسية للعملية الإدارية والتي تشمل: التخطيط، والتنظيم والقيادة والتنسيق بالإضافة إلى الرقابة بأنواعها المختلفة... وقد تطورت أهمية الرقابة المالية مع تطور دور الدولة من (الدولة الحارسة) التي تهدف إلى المحافظة على الأمن الخارجي وحفظ الأمن الداخلي والفصل في المنازعات بين الأفراد – إلى ما يسمي ب (دولة الرفاهية) التي تتدخل في مختلف مناحي الحياة الاقتصادية في كافة القطاعات والميادين، ذلك أن تدخل الدولة في جميع شؤون المواطنين يتطلب توفير أجهزة إدارية كفوءة تنجز الأعمال وتؤدى الخدمات الموكلة بكفاءة وفاعلية مع خضوع هذه الأجهزة للرقابة والمحاسبة للتحقق من قيامها بعملها على أكمل وجه، ونظراً لاتساع نطاق الأجهزة الإدارية، وتعدد مجالاتها وزيادة عدد العاملين فيها، كل ذلك أدى إلى ضرورة الاهتمام بالرقابة على أداء الأجهزة الإدارية، بهدف التحقق من إنجاز العمل الإداري بكفاية وفي أسرع وقت ممكن وبأيسر الطرق...
وتبرز أهمية 
الرقابة المالية في هذا المجال في أنها تقدم المساعدة إلى الدولة ممثلة في أجهزتها الحكومية المكلفة بالرقابة في شأن التعرف على كيفية سير الأعمال داخل الوحدات الحكومية، والتأكد من أن الموارد تحصل طبقاً للقوانين واللوائح والتعليمات المخططة، وللتأكد من مدى تحقيق الوحدات لأهدافها بكفاية وفاعلية بغرض المحافظة على الأموال العامة والتأكد من سلامة تحديد نتائج الأعمال والمراكز المالية وتحسين معدلات الأداء والكشف عن المخالفات والانحرافات وبحث مسبباتها وتدعيم الموجب منها اقتراح الوسائل العلاجية للانحرافات السالبة لتفادي تكرارها مستقبلاً في تلك الوحدات الخدمية أو الاقتصادية.
المدلول القانوني للرقابة 
المالية:
يعنى المدلول القانوني للرقابة 
الماليةالرقابة التي تقوم بها هيئات يتم إنشاؤها بقانون أو نظام أو أي سند قانوني آخر، وتحدد اختصاصاتها بموجب ذلك السند القانوني، وتهدف إلى مطابقة العمل ذي الآثار المالية للقانون أو بمعنى أدق مطابقته لمختلف القواعد القانونية التي تحكمه سواء ما كان منها داخلاً في إطار الشكل القانوني، أي أن يكون العمل المالي مطابقاً للتصرف القانوني، أو ما كان منها داخلاً في إطار الموضوع القانوني، وهي التي تنظر في طبيعة التصرف وفحواه ومكوناته، ويتم بموجب هذا النوع من الرقابة رقابة التصرف المالي من حيث النفقات أو الإيرادات العامة.
ويرتبط بموضوع المدلول القانوني للرقابة 
المالية الحديث عن مبدأ الشرعية والذي يعد الأساس القانوني للرقابة على الإدارة بالوحدات... وهذا المبدأ يعني خضوع الإدارة في جميع تصرفاتها وأعمالها لأحكام القانون بمعناه الواسع، فالإدارة لا تستطيع القيام بأي عمل قانوني أو مادي إلا وفقاً للقانون ووفقاً للإجراءات الشكلية المحددة فيه، تحقيقاً للأهداف التي يتوخاها.
وتبدو أهمية مبدأ الشرعية في مجال 
الرقابة المالية في كونه أهم الضمانات الممنوحة للأفراد في مواجهة السلطة العامة، فهذا المبدأ يحمى الأفراد من تجاوزات الإدارة العامة وتعدياتها على حقوقهم على خلاف ما يجيزه القانون وبمقتضى هذا المبدأ يستطيع الأفراد مراقبة الإدارة في أدائها لوظائفها، بحيث يمكن لهم أن يردوها إلى طريق الصواب إذا ما خرجت عن ذلك سواء عن عمداً وإهمال. وبالإضافة إلى ما سبق فإن أهمية مبدأ الشرعية تبرز أيضاً في سندها القانوني للجهات المكلفة بالعمل الرقابي حيث ينص مضمونه إلى قيام السلطة التشريعية في الدولة بتزويد الوحدات والأجهزة الرقابية بالضمانات اللازمة التي تضمن لها الخيار والاطمئنان في عملها وعدم التأثر بالتيارات أو النعرات السياسية.
والجدير بالذكر هنا أن مفاهيم مبدأ الشرعية تتوافر بشكل جزئي في الدستور العام لجمهورية السودان وبشكل كبير وصريح في نصوص القانون رقم (34) لسنة 1999م المنظم لأعمال 
الرقابة المالية والموكل بتنفيذها ديوان المراجع العام. أما قضية سريان مفاهيم مبدأ الشرعية وتطبيقها على قدم وساق من عدمه فهذا أمر آخر....؟؟
الأهداف العامة للرقابة 
المالية:
تتمثل الأهداف العامة التي تسعى 
الرقابة المالية لتحقيقها في هدفين:
الهدف الأول: التحقق من أن الإنفاق تم وفقاً لما هو مقرر له طبقاً للخطط الموضوعة.
الهدف الثاني: أن الموارد تم تحصيلها كما هو مقرر وأنها استخدمت أفضل استخدام.
ويمكن تقسيم هذه الأهداف العامة إلى:
1. أهداف فنية تقليدية تتمثل في:
إبداء رأى فني محايد عن مدى صحة الأوضاع 
المالية ونتائج أعمال الوحدات المشمولة بالرقابة على أن يكون هذا الرأي مدعماً بأدلة وقرائن إثبات قوية حول مدى صحة حقيقة المركز المالي ومدى صحة نتائج الأعمال في نهاية الفترة.
تشجيع الالتزام بالسياسات والقرارات الإدارية والتأكد من حسن تطبيقها.
التأكد من دقة البيانات المحاسبية وسلامة وصحة القيود والأرقام المثبتة بالدفاتر والسجلات ومدى إمكانية الاعتماد عليها في إعداد المعلومات والتقارير النهائية ومن ثم اتخاذ القرارات.
اكتشاف الأخطاء وحالات الغش والعمل على تقليل فرص ارتكابها من خلال تقييم فعالية نظم 
الرقابة المالية الداخلية للوحدات وتدعيم هذه النظم والرفع من كفاءتها في تحقيق عناصر الرقابة والضبط الداخلي.
التحقق من إتباع نظم وأساليب حديثة في التخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ.
التأكد من كفاية الأنظمة وتحديد سلطات ومسئوليات العاملين بالوحدات المشمولة بالرقابة ومراعاة التسلسل الإداري بما يحقق حسن إنسياب المعلومات بشكل سليم وخلق مناخ تعاوني بين الأفراد والعاملين.
اكتشاف الممارسات والمبادرات الإبداعية لتشجيعها ورعايتها ومكافآة القائمين على ذلك كنوع من الحافز.
2. أهداف استراتيجية وتتمثل في:
· الحفاظ على الممتلكات والموجودات (الأصول) بما يضمن حماية المال العام والحفاظ على حقوق الأطراف ذات العلاقة بالوحدة محل 
الرقابة.
زيادة الفعالية بما يمكن من تحسين الأداء وزيادة الإنتاجية واقتراح أفضل السبل لتحقيق الأهداف التي ترمي إليها الخطط والسياسات الاقتصادية الموضوعة.
تزويد السلطة التشريعية في الدولة بالمعلومات والتقارير السليمة والمؤكدة وذلك بغرض تحققها من تطبيق ما وافقت عليه فيما يتعلق بالميزانية وهو ما يعنى استخدام الاعتمادات في الأوجه التي خصصت لها، وجباية الإيرادات حسب الأنظمة واللوائح الصادرة.
وفي هذا السياق يود الكاتب الإشارة إلى تذكير جمهور القراء بأن السلطة التشريعية في دولة السودان تتمثل في (المجلس الوطني).
أنواع 
الرقابة المالية:
تختلف أنواع 
الرقابة المالية بحسب موقع الجهة التي تقوم بهذه الرقابة، ويمكن إجمالها في نوعين هماالرقابة المالية الخارجية – والرقابة المالية الداخلية.
أ
الرقابة المالية الخارجية:
تعتبر 
الرقابة المالية الخارجية أداة يمكن عن طريقها التأكد من تنفيذ الدوائر والمؤسسات الحكومية للمهام المنوطة بها وفقاً للخطط والبرامج الموضوعة مسبقاً وفي ظل الإمكانات المادية المتاحة.
ويمكن تعريف 
الرقابة المالية الخارجية بأنها: نشاط تقييمي مستقل عن السلطة التنفيذية يهدف إلى التأكد من صحة العمليات المالية والبيانات المحاسبية ومشروعيتها والتحقق من كفاءة وفعالية أداء الأجهزة الحكومية من إنجاز أهدافها ومشاريعها... وفي دولة السودان يمثل ديوان المراجع العام دور الجهة المكلفة من قبل السلطة التشريعية وفق القانون رقم (34) لسنة 1999م بممارسة أعمال الرقابة المالية الخارجية على الأجهزة الحكومية للدولة.
ب
الرقابة المالية الداخلية:
تسعي الأجهزة الحكومية جاهدة إلى تأدية مهامها بصورة كفوءة وفعالة تسمح لها بالاستعمال الاقتصادي الفعال للموارد المتاحة، وتسعي السلطة التنفيذية بكل الوسائل المتاحة لديها لمنع موظفيها من ارتكاب الأخطاء أو إساءة استعمال الموارد وحمايتها من الضياع أو الاختلاس عن طريق إصدار تعليمات تحدد الإجراءات اللازمة للحفاظ على موجوداتها من ناحية ودقة بياناتها 
المالية والمحاسبية من ناحية أخرى... وبمقتضى هذه التعليمات الملزمة لجميع الموظفين يمكن حماية الموجودات، إضافة إلى إمكانية اكتشاف المخالفات والانحرافات في وقت مبكر لاتخاذ الإجراءات المناسبة بشأنها.
ويرتكز مفهوم 
الرقابة المالية الداخلية بشكل عام على الفكرة التي تقول: أن إدارة كل وحدة إدارية يترتب عليها مسؤولية أساسية تمكن في تأدية مهامها الخاصة بطريقة معينة وبدرجة من الكفاءة والفطنة بحيث تسمح لها بتخفيض حاجتها إلى الرقابة الخارجية المستقلة إلى الحد الأدنى.... وهو الأمر الذي يعنى صراحة أن أداء جهاز الرقابة المالية الخارجية لمهامه يعتمد بشكل كبير على أداء وحدات الرقابة المالية الداخلية بالكيانات الحكومية.
وتعرف 
الرقابة المالية الداخلية بأنها نشاط تقييمي مستقل داخل الواحدة الإدارية من أجل فحص النواحي المحاسبية والعمليات الأخرى بغرض حماية الموجودات وضبط دقة البيانات المالية ومدى الاعتماد عليها والوثوق بها وزيادة الكفاءة الإنتاجية وتشجيع العاملين على الالتزام بالسياسات الإدارية المحددة مقدماً. وفي دولة السودان يمثل جهاز المراجعة الداخلية لأجهزة الدولة الجهة المكلفة بأعمال الرقابة المالية الداخلية للأجهزة الحكومية للدولة وذلك من خلال ممارسة أعماله عبر وحداته بالأجهزة الحكومية المختلفة.
الجدير بالذكر هنا أن الأهداف بالقطاع الحكومي في ظل 
الرقابة المالية الخارجية والداخلية تلتقى عموماً في سبيل تحقيق المحافظة على المال العام للدولة حتى وإن اختلفت تفاصيل أغراضها وإجراءاتها المكتوبة. ولعل للرقابة المالية الداخلية مميزاتها في تحقيق الرقابة السابقة للصرف (الرقابة الوقائية)، وكذلك رقابة التنفيذ (المتابعة) مما يسهل من عمل جهاز الرقابة المالية الخارجية كثيراً عند قيامه بمراجعة سير أعمال الأجهزة الحكومية في نهاية الفترة وهو ما يسمي بالرقابة اللاحقة. وعموماً يرى علماء الإدارة والمحاسبة أن الرقابة المالية الداخلية والخارجية في القطاع الحكومي كيان متلاقي ومكمل لبعضه البعض ويقع عاتق النجاح في تحقيق الأغراض بشكلٍ كبير على أجهزة الرقابة المالية الداخلية نظراً لأن مهمة جهاز الرقابة المالية الخارجية تعتمد بالدرجة الأولى على مدى فاعلية أجهزة الرقابة المالية الداخلية، كما يبقى للصور الزمنية للرقابة المالية (الرقابة السابقة، والمستمرة، واللاحقة)، مزايا وعيوب لكل منها.
ثانياً: المشكلات:
وفقاً للخلفية العلمية للدراسة ودراسة واقع الحال المعاش في الدولة فإنه يمكن تلخيص المشكلات التي تجابه أجهزة 
الرقابة المالية في القطاع الحكومي في الآتي:
1. قصور وسائل المساءلة في المخالفات 
المالية... حيث تقتصر صلاحية أجهزة الرقابة المالية (الداخلية والخارجية) بالنسبة للمخالفات المالية والإدارية في الكشف فقط عن هذه المخالفات ولفت النظر إليها والمطالبة، بمعالجتها، دون أن يكون هنالك حق قانوني مباشر لهذه الأجهزة في مساءلة ومحاكمة الموظفين عما يرتكبون من مخالفات – فقط يرفع الأمر إلى هيئات المحاكم العامة وتبعية ذلك من الانتظار الطويل ضمن القضايا في المجالات الأخرى.
عدم تعاون بعض الوحدات والدوائر الحكومية مع أجهزة 
الرقابة المالية واستمرار التسيب والهدر في المال العام بالرغم من كثرة عدد الاستيضاحات الموجهة لبعض الجهات وتكرارها وعدم البت فيها وعدم الرد على ملاحظات واستيضاحات المراقبين الماليين. وذلك على الرغم من أن قوانين الرقابة المالية الخاصة بهذه الأجهزة تلزم الجهات الخاضعة للرقابة بالإجابة على استيضاحات المراقبين الماليين الممثلين لهذه الأجهزة وذلك خلال فترة محددة... إلا أن نصوص هذه القوانين لم تحدد الجزاء في حالة عدم استجابة هذه الدوائر بالرد على استيضاحاتها...؟؟
عدم استيعاب المراقبين الماليين لحقوقهم القانونية في أداء مهامهم، ومن ناحية أخرى عدم اعتراف الأفراد العاملين بالوحدات محل 
الرقابة بأهمية هذه الحقوق ودستوريتها وما تمنحه لموظفي أجهزة الرقابة المالية من حصانات تكفل أداءهم لما يعهد إليهم به من مهام بحرية مهنية تامة وغير متجاوزة.
تعاني أجهزة 
الرقابة المالية من نقص كبير في الكوادر المتخصصة، وتدنى المستوى العلمي والفني والخبرة في مجالات الرقابة للكوادر العاملة مما ينعكس سلباً على فعالية العملية الرقابية – وغير خفي وجود كم هائل من منسوبي أجهزة الرقابة المالية يتمشدقون بحمل الدرجات الجامعية المتخصصة في المجالات الأدبية ومجالات العلوم الأخرى ويحسبون أنفسهم من بين الخبراء في العلوم المالية – ولم تكلف الأجهزة الرقابية عناء تأهيلهم العلمي على الإطلاق فقط – تعلموا قليلاً من مهارات الرقابة المالية وولجوا إلى ساحات العمل.
تداخل اختصاصات أجهزة 
الرقابة المالية الداخلية والخارجية مع بعضها البعض، الأمر الذي يحتم إعادة النظر في تشريعات هذه الأجهزة لإزالة التداخل فيما بينها وفي نفس الوقت – تدعيم أفكار منسوبي هذه الأجهزة فيما يتعلق بوحدة الهدف من أدائهم لمهامهم الموكلة.
لا تتمتع أجهزة 
الرقابة المالية بميزة الاستقلال التام عن السلطات التشريعية والتنفيذية.
يترتب على عرض المخالفات والخلافات التي تثور بين أجهزة 
الرقابة المالية وبعض الوزارات والدوائر الحكومية للسلطة التشريعية للبت فيها أن تصبح الحكومة بمثابة الخصم والحكم في تلك الخلافات ويمتد الأمر ليدخل في حسبة النعرات الحزبية السياسية والنواحي العرقية. وبالتالي ضياع القضية الأساسية في خضم هذا التناحر والتدابر.
هنالك بعض الهيئات الحكومية التي تدخل أموالها في نطاق الأموال العامة ولا تزال غير خاضعة لأجهزة 
الرقابة المالية... وإن خضعت فهو خضوع جزئي ولا يمثل الفعالية المطلقة لعملية الرقابة المالية بمعناها العلمي الدقيق، ومن تلك الهيئات: الهيئات التي تتلقى الدعم المالي من الحكومة والشركات التي تساهم الحكومة في رأسمالها وتلك التي تضمن لها الحكومة حد أدنى من الأرباح، وكذلك الجمعيات الخيرية والنقابات المهنية. ولعل الأهم بين كل ذلك قضية الاستثمارات التي تنشئها الوحدات الحكومية من أموالها الخاصة سواء بالاستقطاع من رواتب منسوبيها، أو من خلال جبايات أخرى غير مبرمجة في السياسة المالية العامة للدولة تحصل باسم تلك الوحدات وتحت مسميات مختلفة لأجل هذا الاستثمار ويقع عبئها ثقيلاً على كاهل المواطن – ولعل المنطق العلمي والمهني البحت في مجالات الرقابة المالية يدعوا هنا إلى فرض تساؤلات على النحو التالي: إن كانت نسبة التحصيل الكبرى لهذه الأموال المستثمرة مصدرها الاستقطاع من مرتبات منسوبي هذه الوحدات الحكومية... فإيهما أفضل لهؤلاء المنسوبين في شأن الاطمئنان على سلامة أموالهم – أن تكون الجهة الرقابية عليها فقط إدارة تلك الوحدات الحكومية – أم تتدخل الدولة عبر أجهزتها الرسمية لفرض الرقابة على هذه الأموال المستثمرة لصالحهم وحمايتها...؟؟، هل طريقة تحصيل الأموال لهذه الاستثمارات من غير منسوبي هذه الوحدات تعتبر قانونية بحكم السياسة المالية وإن منحتها السياسة ذلك الحق هل تعتبر هذه الأموال أموال عامة أم خاصة أم ماذا...؟؟، وما هو دور السلطة التشريعية بالدولة في صياغة قوانين واضحة في هذه المناحي وإن وجدت ترى هل هنالك ضمانات حماية كافية لأجهزة الرقابة المالية تتيح لها البت القطعي دون مواجهة اعتراضات في هذه المناحى...؟؟
يواجه جهاز 
الرقابة المالية الخارجية صعوبة تتعلق بضعف أجهزة الرقابة المالية الداخلية في الوزارات والدوائر الحكومية، مما يتسبب في حدوث كثير من الأخطاء المالية، الأمر الذي يدفع هذه الأجهزة إلى الاعتماد في كثير من الأحيان على موظفي الرقابة المالية الخارجية لاكتشاف هذه الأخطاء والتحري عن أسبابها... وفي ذلك إضافة إلى الأعباء الملقاة على عاتق جهاز الرقابة المالية الخارجية. وغير خفي أنه بخلاف ما يثار مؤخراً من اهتمام بمناحي الرقابة المالية الداخلية لم يكن للدولة ممثلة في سلطتها التشريعية سابق اهتمام علمي كافي بفاعلية هذه الأجهزة ودورها في المحافظة على المال العام، لذلك لم تهتم أيضاً الدوائر والوحدات الحكومية بتفعيل دور أجهزة الرقابة المالية الداخلية مطلقاً، (فهو الطناش النافع).
ضعف قانون 
الرقابة المالية المعمول به (قانون عام 1986م المعدل نسبياً لعام 1999م) وقدمه وعجزه عن مواكبة التطورات الحديثة في مجال الرقابة المالية، بحيث لم يعد هذا القانون قادر على تلبية متطلبات الرقابة المالية على الأجهزة الحكومية، والتي شهدت نقلة نوعية كبيرة في الفترة الأخيرة في مجالات تنظيمها المالي ووسائل الرقابة على أموالها، وذلك على الرغم من المحاولات غير المجدية لتعديل القانون المطبق بما يتلائم مع هذه التطورات.
الاستخدام النسبي بأجهزة 
الرقابة المالية لتكنولوجيا الحاسبات الالكترونية وملحقاتها المختلفة وإنحسار الفهم بأهمية هذه التكنولوجيا في مفاهيم ضيقة إلى الحد البعيد – ولا يزال عمل هذه الأجهزة الرقابية يعتمد بشكل أساسي على الطريقة اليدوية ورفيقاتها من المجلدات الضخمة السائبة.
كثرة القوانين والأنظمة والتعليمات 
المالية والإدارية المعمول بها في الجهة الحكومية الواحدة، الأمر الذي يربك عمل أجهزة الرقابة المالية الخارجية كثيراً.
غياب المفهوم العلمي لأهمية نظام الحوافز في شأن رفع الروح المعنوية لمنسوبي أجهزة 
الرقابة المالية ومن ثم تحسين كفاءة الأداء – (يعنى الكاتب: الحوافز عن الأداء وليس حوافز الأعياد أو ما في حكمها) ومن جهة أخرى عدم الاهتمام أيضاً بتحفيز الوحدات الحكومية محل الرقابة من خلال توجيه مكتوبات شكر عن سلامة أدائها. وما إلى ذلك – وفي هذا السياق يود الكاتب أن يشير عموماً إلى أن منسوبي الأجهزة الرقابية يعدو من أكثر الشرائح الوظيفية ضعفاً في الرواتب والامتيازات المالية الأخرى... وفوق كل ذلك يطالبون بالأداء الكفء – ولعل مرد ذلك ضعف إدارات هذه الأجهزة في المطالبة بتحسين مستحقات منسوبيها – وكذلك عدم اهتمام وزارة المالية للدولة بأهمية الدور الذي يلعبه هؤلاء في المحافظة على المال العام ومن ثم رفع امتيازاتهم المالية...؟؟
عدم تطبيق مبدأ محاسبة المسؤولية عن الأداء على أجهزة 
الرقابة المالية، نظراً لاعتناق مفهوم القدسية المطلقة من قبل السلطة التشريعية في النظر إلى دور تلك الأجهزة الرقابية، إضافة لاعتناق منسوبي أجهزة الرقابة لهذا المفهوم أيضاً وتعاظمه في محتوى تفكيرهم – كما أنه لا توجد محاسبة عن التصرفات المالية بالإنفاق لأجهزة الرقابة المالية... عملاً بمفهوم كما تحاسب يجب أن تحاسب.
أخيراً تداخل وتعارض الولاء السياسي مع الاختصاصات المهنية البحتة لعمل أجهزة 
الرقابة المالية على الصعيد هذا الأجهزة... حتى وإن كان الجميع يعلم أن رؤوسها تتسم بالنزاهة ولكنها موالياً سياسياً... وأمام المجتمع لا عذر... 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق