الخميس، 11 ديسمبر 2014

الفيدرالية في التجربة الاثيوبية والوضع في اليمن



الفيدرالية في التجربة الاثيوبية والوضع في اليمن

                                                                               الدكتور/ احمد محمد الماوري.      
                                                                         استاذ الادارة العامة جامعة صنعاء      


اتيحت لي مع عدد من الزملاء زيارة أثيوبيا خلال الايام الماضية في إطار جهود برنامج دعم الحوار الوطني لتأهيل عدد من الخبراء اليمنيين في مجال الفيدرالية،
وحقيقة كنت متردد في الذهاب الى تلك الدولة الجارة، وكنت أقول أن الوضع في اليمن قد وصل الى مرحلة اللاعودة، واننا باتجاه جرف هار لا نعلم له مستقرا!!!!!
غير أنني وجدت بعد زيارة هذا البلد الجميل ما أثلج صدري، وأعاد الأمل في إمكانية تخطي كل الصعوبات والانتقال باليمن نحو يمن جديد يحافظ على الوحدة الوطنية ويدعم الخصوصية لدى بعض المناطق، ويراعي التعدد الثقافي الرائع الذي تزخر به اليمن.
وفي عجالة سأحاول أن أعطي نبذة عن الوضع في أثيوبيا قبل التحول نحو الدولة الفيدرالية قبل الخوض في التجربة ذاتها لنقل الشعور بالأمل الذي حصلت عليه الى كل من يقرأ هذا المنشور.
اثيوبيا بلد افريقي فقير، مساحته الجغرافية واسعة وبلد تكسوه الخضرة في أغلب أراضيه، مواطنوه يصل عددهم الى ما يقرب من 90 مليون حاليا، ليسوا من عرقية واحدة بل يتوزعون على ما يقرب من 80 عرقية، ويتحدثون ما يقرب من 80 لغة ولهجة، وتنتشر فيه مختلف الديانات.
قبل عام 1991م عانت اثيوبيا من نظام مركزي دكتاتوري، حاول بالقوة كبت الحريات وصهر ابناء المجتمع الاثيوبي في هوية واحدة مع الغاء كل الخصوصيات مما زاد الوضع سوءا، ونجم عن ذلك: مزيد من الفقر حتى وصل نسبة الفقر الى ما يربو عن 50% من السكان في دولة وصل تعدادها السكاني الى 80 مليون تقريبا آنذاك، ودولة فقيرة ومحدودة الموارد، كما تنامى الشعور بالهويات المحلية بحيث اصبحت تطغى على الهوية الاثيوبية الكلية، ونتيجة ذلك ظهور العديد من الحركات المسلحة - وصل عددها الى 25 حركة مسلحة- التي طالب اغلبها بالانفصال عن الدولة الاثيوبية، كما حدثت حروب داخلية استمرت لعشرات السنين، وحرب مع اريتيريا استمرت لأكثر من 15 سنة.
وبدأت التقارير الدولية تتحدث عن بلقنة اثيويبا أو صوملة أثيوبيا: أي انها سوف تتشظى الى عدد من الدويلات المتناحرة على غرار ما حدث في الصومال.
وفي ظل هذا الغموض الذي شهدته اثيوبيا، والذي أعتقد أنه كان أسوأ عما نحن عليه في اليمن اليوم بعشرات المرات، بدأت عدد من الحركات الثورية تتحد مكونة جبهة ثورية واحدة، اطاحت بالحكم الدكتاتوري، وشكلت حكومة مؤقته استمرت اربع سنوات، وتولت مهمة الاعداد للانتقال من دولة مركزية دكتاتورية فاشلة نحو دولة فيدالية تحترم الهويات المحلية وتعتبرها مصدر من مصادر القوة وليست منبع من منابع الصراع والتقاتل.
وتم تشكيل لجنة لصياغة الدستور للدولة الاتحادية، ضمت في عضويتها 7 من اعضاء مجلس النواب، 7 من الاحزاب السياسية، 3 من النقابات والاتحادات العمالية، 3 من الغرف التجارية، من 2-3 من عدد من المهن مثل المحامين والمعلمين والاطباء والنساء،،،
وبعد اعداد مسودة الدستور تم مناقشتها على مستوى مختلف الاقاليم وإثراءها، ومن ثم إعداد المسودة الاخير، بعد ذلك تم عرض المسودة على جمعية تأسيسية انتخبت من الشعب وتم مناقشتها مادة مادة حتى تم الاتفاق على النسخة النهائية واقرارها من قبل الجمعية في ديسمبر 1995م،
وقد رسم الدستور ملامح الدولة الفيدرالية الاثيوبية الجديدة، وبعد مضي ما يقرب من 20 عاما، وبعد أن قرر ابناء اثيوبيا القطيعة مع الماضي بكل اشكاله والتوجه نحو المستقبل والبناء، ماذا حدث؟؟؟
حققت اثيوبيا قفزات تنموية مشهودة في الجوانب التعليمية والاقتصادية والأمنية، ارتفعت نسبة المتعلمين بشكل كبير، انخفض الفقر ووصل الى ما يقرب من 24% خلال العام الحالي، استقرت الأوضاع الأمنية بشكل كبير، فخلال انتقالنا من العاصمة اديس اباب الى هواسا عاصمة اقليم شعوب الجنوب، لم نرى جندي في الشارع ولم نرى أي مظهر من مظاهر عسكرة الحياة العامة. بدأت بعض الأقاليم وبهدف تحقيق مزيد من التنمية المحلية في التوحد بعد ان كانت تطالب بالانفصال، فقد توحدت 5 أقاليم في جنوب اثيوبيا في عام 2001م مكونة بذلك إقليم أكبر هو إقليم شعوب الجنوب يضم ما يقرب من 17 مليون مواطن، و56 قومية، ولغات ولهجات عدة محلية وديانات متنوعة.

هذه اللمحة السريعة تظهر لنا أن هناك أمل أن يتخطى اليمن محنته الحالية وأزماته المتوالية، فأثيوبيا كانت لديها تجربة أسوأ من تجربة اليمن، وعندما توفرت لها القيادة الجادة والتي تمتلك رؤية واضحة وارادة حقيقية تمكنت من النهوض. فعندما أدرك أبناء اثيوبيا أن استمرار الغوص في مستنقع الماضي بمشكلاته المتعددة لن يجد نفعا، اتفقوا على النظر نحو المستقبل والتعاون والشراكة في عملية البناء، فحرصوا على اشراك كل ابناء المجتمع دون اقصاء لأحد، وبعد تحقيق القفزات التنموية الملموسة ، ادرك الجميع أن البلد يتسع للجميع، وأن التنوع نعمة ومصدر من مصادر الإثراء والقوة وليس مصدر من مصادر الصراع والإقتتال.

هل يمكن للقيادات السياسية والمجتمعية في اليمن أن يستفيدوا من هذه التجربة، وان نبدأ البحث في سبل البناء والتنمية- بدلا عن الانغماس في مستنقع الصراع والاقصاء والتآمر - من أجل الوصول الى يمن جديد يتسع لكل ابنائه ونضمن فيه حياة كريمة على الاقل لأبناءنا؟؟؟؟؟




رابط المقال في صفحة الدكتور احمد الماوري

https://www.facebook.com/ahmed.amer.359778/posts/10203483870723515

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق